الأحد، 24 سبتمبر 2017

اللصقة ..للشاعر المبدع المتالق/ مصطفى الحاج حسين

  • اللصقة ...

  •                   قصة : صطفى الحاج حسين .  

  •       كان زملاؤه في الجامعة ، يسمونه " اللصقة "
  • فما من مرّة رأوه مقبلاً نحوهم ، إلاّ وسارع أحدهم لتنبيههم ، قائلاً في حذر :
  • - جاء اللصقة .! .
  •       فينسحب بعضهم قبل وصولهِ ، بطريقة ذكيّة قائلين :
  • - لنهرب .. قبل أن يحلّ بلاؤهُ علينا .
  •        وسبب هذا يعود إلى ظروف " عبد الله " القادم من الريف ، ليتابع دراسته في كليّةِ الآداب.
  •        جاء إلى حلب من قرية " عامودا " الواقعة على الحدود الشرقية ، محمّلاً بآمال عظيمة وطموحات عالية ، وأحلام غزيرة ، وموهبة متقدةٍ ، مخلّفاً وراءه أباً طاعناً في الشيخوخة ، لا يقدر على فعل شيء، سوى تحدّي " عزرائيل " ، فكثيراً ما شاهد والده ، يعارك ملك الموت ويرغمه على التقهقر ، في حين يبقى العجوز متمسكاً بروحه المهترئة .. ولولا عمل أمّه وشقيقاته في حقول الآخرين ، لما تمكنت العائلة من العيش .
  •        كان " عبد الله " في كثير من الأحيان ، يندم
  • لأنّه لم يسمع كلام والدته ويترك الدّراسة ، فهو
  • بشكل دائم في حاجة وعوز ، ولو لم يكن ينزل إلى " باب أنطاكيا " حيث معرض العمال ، للبحث عن رزقه ، لما تمكن من اجتياز السّنوات الثلاثة الماضية بسلام .. وخاصة بعد أن حرم من القرض الجامعي ، بسبب رسوبه في السنة الماضية . في
  • كلّ عام وخلال فصل الشتاء ، كان يمرّ بمثل هذه الضائقة ، فالعمال المختصون لا يجدون عملاً في
  • هذه الأيام الباردة والماطرة ،  لولا طموحاته وأحلامه القوية ، لترك الجامعة منذ أمدٍ بعيد . ومن حُسنِ حظّهِ أنّه يقيم في بيت زوج شقيقته
  • الذي يعملُ في الخليج ، كان يضطر إلى الاستدانة من أصدقائه ، ريثما يجد عملاً فيردّ إليهم دينهُم ،
  • وكانت ظروفه السيئة ترغمه على فرضِ نفسه ضيفاً مكسور الخاطر ليتناول الطعام في منازل أصدقائه ، جاهلاً أن أصدقاءه يطلقون عليه لقب 
  • " اللصقة " ، ولكنّهم رغم كلّ سخرياتهم التي يطلقونها وراءه ، يعاملونه باحترام وودّ ، وذلك بسبب شاعريّتِهِ الكبيرة .. " فعبد الله " شاعر موهوب ، له حضوره في الملتقيات الأدبية التي
  • ترعاها الجامعة ، وكان معظم زملائه يشاركونه ذات الميول، لذلك هم يحسدونه لتفوقه عليهم في
  • الشّهرة ، وامتداح النقاد والتفاف المعجبات حوله..
  • ولمّا كانوا عاجزين عن النيل من شاعريته .. أخذوا
  • يسخرون من نقطة ضعفه الوحيدة ، ألا وهي سوء
  • حالته المالية ، وعوزه الدائم إليهم ، لذلك وصفوه
  • بال " لصقة " .
  •       وفي هذا الصباح الممطر ، استيقظ " عبد الله" مهموماً مكروباً ...فهو في حالة إفلاسٍ لا مثيل لها،
  • مضى عليه أكثر من عشرين يوماً دون أن يتمكّن من العمل.. فالأمطار لا تنقطع ، والعمل في ورشات البناء معدوم ..و " عبد الله " يقتصد .. في كلّ شيء يقتصد ...في عدد وجباته القميئة ، في نوعية وكمية سكائره .. في حلاقة ذقنه .. وشرائه
  • لتذاكر باصات النقل الداخلي .. في الصحف والمجلات .. وتردده إلى المقصف المركزيّ ..
  • ومرافقة صديقاته اللواتي اضطر أخيراً أن يستدين منهنّ رغم شعوره بالخجل . وعاد أيضاً لبيع الكتب التي تمكن من جمعها خلال الصيف ..
  • فهو في كلّ شتاء ، يضطّر لبيعها من جديد ، حتّى
  • أنّه في الأونة الأخيرة ، اضطّر إلى بيع ساعة يده
  • التي هو بأمسّ الحاجة إليها . ومع هذا فقد وقع
  • يوم أمس بين فكّي الإفلاس ، ونام ليلته وأمعاؤه
  • نتضوّر من الجوع .
  •     نهض من سريره المنحني والمزعج في صريره
  • ، واتّجه نحو المطبخ النتن الرائحة، وراح يبحث عن لقمة يسدّ بها رمقه ، رغم علمه بأنّه يبحث عن
  • لا شيء .. عنده زيتوناً ولا يوجد خبز ، ولديه سكّر
  • ولا وجود للشاي .. ويملك قليلاً من البرغل في حين أن السّمن والزيت غير متوفرين ، فكيف له أن يتدبّر أمره ؟! .. فكرة أن يستدين من الجيران خبزاً ليست واردة ، لأنّه استدان منهم في مرات
  • سابقة وكثيرة وعجز عن ردّ ما استدان لدرجة أن
  • رفض جميع جواره أن يعطوه رغيفاً واحداً يوم أمس .وتساءل :
  • - (( ماذا أفعل ؟.. أمعائي تزقزق طوال الليل ، صرت أخجل من طلب الاستدانة ، أنا مدان للجميع ، مامن شخص أعرفه إلاّ واستدنت منه ، ديوني لسبعة وثلاثين شخصاً ، بمبلغ / 4645/ ليرة سورية .. فإلى متى سأظلّ معتمداً على الدين
  • ؟!.. أخذ أصدقائي يتهربون منّي ، " يطنشون " إذا
  • ما شكوت لهم سوء حالتي المادية ، حتّى أنّ صديقاتي اللواتي كنتُ أخجل أن أظهر فقري أمامهنّ ، أصبحت مداناً لتسعٍ منهنّ ، بما فيهنّ " انتصار " التي تحوّل حبّها لي إلى دروسٍ في الاقتصاد ، والاعتماد على الذات .)) .
  •        ولأنّ " عبد الله " جائع ولا يملك حلّاً لمشكلته
  • سوى اللجوء إلى أصدقائه ، فقد قرر أن يذهب إلى صديقه " بشير " ، الأكثر رفاهيةً من الجميع ،
  • سيداهمه في بيته قبل أن يغادره ، ويتناول معه
  • فطوره ، ويطلب منه بضع ليرات .
  •        أسرع بارتداء بذّته الجامعية العتيقة ، وخرج
  • مسرعاً ، فكان المطر بانتظاره ، ولأنّه لا يملك نقوداً
  • ولأنّ باصات النقل الدّاخلي تتأخر في المجيء ، قرر أن يذهب سيراً على قدميه ، من منطقة " الأعظمية " إلى حيّ " الجميلية"
  • غير عابئ بسقوط المطر فوق رأسه الأصلع
  • بعض الشيء .
  •       في تمام السابعة والنصف ضغط على زر
  • الجرس ، وهو يأمل ألاً يكون " بشير " قد تناول فطوره ، وانتظر برهة والحياء يلسعه ،
  • كم مرّةً يفرض نفسه . 
  • مامن أسبوع إلاّ ويحلّ عليه ضيفاً ثقيلاً ، اللعنة على الجوع ، لو لم يكن " بشير " أفضل أصدقائه لما زاره هكذا .. عاود الرّنين
  • مرّةً ومرّتين ، وقلبه ينبض من شدّة توتره وخجله ، وسمع وقع أقدام تقف خلف الباب،
  • واختفى بصيص الضوء المنبعث من العين
  • السحرية ، فغضّ بصره حتى لا تلتقي عينيه
  • بعين الناظر ، وفجأة سمع صوتاً أنثوياً يسأل:
  • - مَن ؟؟ .
  • تنحنح " عبد الله " .. وقال :
  • - أنا صديق بشير ، هل هو موجود؟.
  •      لم بأته الجواب .. بل أبصر الضوء ينبعث
  • من حدقة العين السّحرية ، فأدرك أنّها دخلت
  • لتنادي أخاها " بشير " .. مضت لحظات اعتقد أنها توقظه ، ولهذا عذرهم عن التأخر،
  • سمع وقع الخطا من جديد ، أبصر العين السّحرية تظلم ، وعاد صوت الأنثى يخاطبه:
  • - مَن حضرتُكَ ؟.
  • بادر يُجيبها على الفور ، والحرج بادٍ في نبرات صوته :
  • - أنا صديقه .. عبد الله الحجي .
  •        وابتعدت عن الباب مرّة أخرى ، وانبعث
  • الشّعاع من العين السّحرية .. غابت في هذه المرّة مايزيد عن الدقائق الثلاث ، لدرجة أنّه
  • شعر بالضجر والندم على مجيئه في هذا الوقت المبكر ، فكّر أن ينسحب ولكن فات الأوان ، فها هو يسمع وقع الخطى ، ولابدّ أنّ
  • " بشيراً " استيقظ ، وتفاجأ من زيارته غير
  • المتوقعة .
  •        لكنّ الباب لم يفتح ، كلّ ماحدث أنّه سمع ذات الصوت الأنثوي :
  • - بشير غير موجود ، لقد خرج في السّادسة
  • والنصف .
  •        لعن نفسه لأنّه فكّر في هذه الزيارة ، وتيقّن أنّ صديقه موجود في الداخل ، أحسّ أنّه أهان كرامته ، ليس من المعقول أن
  • يبقى متطفلاً على أصدقائه ، لدرجة أنّهم باتوا يسدّون أبوابهم في وجههه ، داهمته موجة من الانفعال ، فامتزجت دمعته التي طفرت من عينيه بحبّات المطر ، المنسابة على وجهه الشّاحب .
  •     سار في الطرقات حاملاً خيبته في صدره
  • ، ومعدته تتقطّعُ من شدّة الجوع ، ولمّا كان
  • لا يملك سوى سيكارتين ، قرر أن يدخّن واحدة منهما .. وتساءل :
  • - (( أين أذهب ؟ .. هل أتوجّهُ إلى عبد الناصر ، الذي استدنت منه خمسين ليرة منذ
  • أكثر من شهرين ، ولم أردٌها إليه حتّى الآن .؟ )) .
  •        ولأنّه لا يملك إلاّ هذا السبيل ، فقد عزم
  • على زيارته ، فمنزله قريب بعض الشيء ، يقع في " الحميديّة " .
  •        لحسن حظّه لم يعتذر سكان البيت عن
  • عدم وجود صديقه ، فها هو " عبد الناصر"
  • أمامه بشحمه ولحمه يفتح الباب ، بينما يمضغ شيئاً ما .
  •        استقبله " عبد الناصر " وأدخله غرفته الخاصّة ، وقبل أن يتّخذ مكانه على الأريكة،
  • بادره " عبد الناصر " قائلاً :
  • - أشعل مدفأة الكهرباء وتدفأ ، ريثما أكمل فطوري مع أهلي .
  •   كم ودّ أن يسأله صديقه ، إن كان قد تناول 
  • فطوره . وأخذ يقارن بين عادات المدينة والريف ، هناك ما إن يحلّ الضيف ، حتّى يهرع أصحاب البيت لإحضار الطعام .
  •        وبعد أن أشعل المدفأة وأخذ يدفء جسده الهزيل ، تناهى إلى سمعه ، صوت " عبد الناصر " من الداخل .. قائلاً :
  • - أرجوك ياأمي دعيني أقدم له الفطور .
  • وجاءه صوت امرأة منفعلة تزعق :
  • - والله أنا ماعندي مطعم لك ولأصدقائك ، قلت لك افطر معنا ، وإلاّ ستبقى جائعاً .
  •        انصعق " عبد الله " ، دارت به الغرفة ،
  • وكأنّ صفعة قوية باغتته فجأة على رقبته،
  • هل بلغ الأمر إلى هذه الدرجة ؟؟!!.. هل أصبح مزعجاً لأسر أصدقائه دون أن يدري 
  • ؟؟!!.. ينبغي عليه أن يخرج من هذا المنزل،
  • وبأقصى سرعة ، لقد بات يقرف من نفسه ،
  • كان يجب أن يسافر إلى أهله ، قبل أن ينفق
  • أجرة المواصلات ، فالامتحان لا يهم ، فليرسب هذه السّنة كما رسب في السّنة السّابقة ، كرامته أهمّ من دراسته .. اللعنة عليه يوم فكّر أن يتحدّى ظروفه ، ويتابع إقامته في حلب ، حتّى يتقدّم لامتحان الفصل الأول .. إنّه غبي عديم الإحساس ، كان على والده أن يوافق على بيع قطعة الأرض البور التي يملكها ، فهو رجل عجوز 
  • لا يقدر على العمل بها ، و " عبد الله " يطمح
  • أن يكون أستاذاً كبيراً ، فمن سيعمل في الأرض ؟ وتمنّى أن يقصف الله عمر والده ، الذي طالت حياته أكثر ممّا ينبغي .وحيداً كان في الغرفة مع أفكاره ، في حين كانت
  • أمعاؤه تنهشه بعنف وجنون ، وشعر بالدوّار،
  • وأحسّ أنّه يوشك على التقيّئ .
  •       وفتح عليه " عبد الناصر " حاملاً صينية
  • عليها كأسان من الشّاي السّاخن ..في حين
  • كان يبتسم ويردد :
  • - أهلاً وسهلاً .
  • وضغط على نفسه ، أجبر ذاته على الجلوس
  • ، وتظاهر بعدم سماعه بما دار من حوار ، فهو
  • على كلّ حال ممتن من " عبد الناصر " .
  •        ودّع صديقه فور انتهائه من احتساء الشاي ، كان عليه أن يمشي تحت وابل المطر الذي تضاعف انهماره .. بينما كانت النار في أعماقه تغلي من مرارة القهر والشعور بالذلّ والإهانة ، راح يحدّث نفسه:
  • - (( هل كان عليّ أن أشارك " حمود " في بيع
  • الدخان المهرّب ؟! .. حتّى أتمكّن من العيش
  • دون أن أحتاج الآخرين .)) .
  •        سيتخذ قراره بعد أن يسدّ رمقه ، آلام الجوع تمنع عنه القدرة على التفكير ، سيذهب إلى " عماد " يطلب منه عدّة ليرات تكفيه للسفر إلى أهله ، لا حلّ أمامه إلاّ هذه الطريقة .. أصدقاؤه منقطعون عن الدّوام ، بسبب اقتراب موعد الامتحانات .
  •        قبل أن يدخل باب العمارة ، برز " عماد"
  • أمامه حاملاً مظلّة سوداء .فرحّب به ودعاه أن يصل معه إلى الفرن ليشتريا خبزاً ويعودا
  • إلى البيت . 
  •      ساعة ونصف و " عبد الله وعماد " يقفان
  • تحت المطر وسط هذا الازدحام ، حتّى تمكّنا
  • أخيراً من الحصول على أربعة كيلو من الخبز
  •        من شدّة تلهفه على قطعة من الخبز السّاخن ، أسرع ليتناول الخبز عن " عماد " ،
  • وقبل أن يصله ليلتقط قطعة ويلتهمها، وقف
  • أمامهم والد " عماد " وبعد السلام .. قال الأب :
  • - هات الخبز ، واذهب لتسديد فاتورة الكهرباء ، ثمّ عودا إلى البيت .
  •        أحسّ بخيبة كبيرة ، فأخذ يردد في طيات نفسه الجائعة :
  • - (( كم كان حظي سيئاً ، لماذا لم يتأخر والد
  • " عماد " دقيقة عن الوصول إلينا ؟! .)) .
  •        لقد خطر له أن يتناول رغيفاً ، لكنه في
  • النهاية خجل ، لو كان " عماد " بمفرده لكان
  • الأمر أسهل .
  •        في الطريق راودته فكرة أن يستدين من " عماد " مبلغاً بسيطاً يكفيه لشراء " صندويشة " ، وتذكّر أنه مدان " لعماد " بأكثر
  • من ثلاثمئة ليرة ، فأحجم عن الكلام ، لأنّه خجول .
  •        تابع طريقه مع " عماد " آملاً أن يتناول عنده وجبة الغداء، بعد أن يسددا فاتورة الكهرباء ، لم يكن يتصوّر أنّ تسديد الفاتورة،
  • سيحتاج لكلّ هذا الوقت .. الازدحام كان هائلاً .. ومن جديد كان عليهما أن ينتظرا الدّور ، ولم ينتهيا من أداء المهمة حتّى انتصف النّهار .
  •        أخيراً سيعود مع " عماد " إلى بيته ليتناولا الغداء .. كان يمشي ولسان حاله يقول :
  • - (( ياالله .. متى سنصل ؟ .. ريقي فرط ،  أمعائي تتمزّق ، أمّا أقدامي فلم تعد قادرة
  • على حملي .)) .
  •       انتبه " عماد " إلى حالة صديقه ، تفحّص
  • وجهه ، ثمّ سأله :
  • - مابك يا " عبد الله " .. ولم وجهك مصفر؟!.
  •        وكاد أن يصارحه بحقيقة جوعه ، فهو
  • يتوقّع أن يغمى عليه .. لكنّه فضّل الصمت:
  • -(( لماذا أفضح نفسي ، طالما أنا ذاهب معه ،
  • لأتناول الغداء .. هل من الضروري أن أطلعه
  • على حقيقة وضعي التعس ، لا لن أتكلم.)).
  •        وعند المنعطف .. أي بالتحديد، عند تقاطع الطرق الأربعة الرئيسية ، أذهله " عماد " عندما مدّ له يده مودعاً ، وابتسامة
  • الحرج على شفتيه :
  • - أنا آسف يا " عبد الله " ، عندي موعد هام وضروري مع خطيبتي ، لن أستطيع أن أدعوك إلى زيارتي الآن .
  •      امتقع لون وجهه أكثر ، واضطربت شفتاه
  • حينما رددّ :
  • - بسيطة .. أزورك في وقت آخر .
  •        وبعد أن تصافحا ومضى كلّ في سبيله.
  • خطر له أن يتشجّع فينادي " عماداً " ليستدين منه بعض الليرات ، أسرع خلفه مهرولاً غير عابئ بأنظار المارة :
  • - عماد .. يا عماد .
  •        استدار " عماد " ، توقف حينما شاهد 
  • " عبد الله " يتبعه ، ويناديه .. واقترب " عبد
  • الله " والاضطراب والخجل يسيطران عليه:
  • - عماد .. أريد منك أن تقرضني بعض النقود.
  •     ابتسم " عماد " ، أطلق زفرة قويّة خرجت
  • من أعماقه ، راح يتأمل أنامله في حيرة .. ثمّ قال :
  • - والله يا " عبد الله " لا أعرف ماذا أقول لك،
  • أنا جد آسف، وأقسم لك أنّي لا أحمل معي سوى بضعة ليرات ، لن تكفيني لو دعوت خطيبتي إلى فنجان قهوة .
  •      أحسّ بندم شديد ، وبانفعال مرير ، وأخذ
  • يلوم نفسه لأنّه عرّض حاله لمثل هذا الموقف المهين ..
  • - (( غبيّ أنا ، كان عليّ أن أوافق " حموداً " وأشاركه في تهريب الدّخان .. " حمود " أصبح مهرباً كبيراً .. جيوبه امتلأت خلال فترة قصيرة .. أمي تقارن بيني وبينه بشكل
  • دائم ، تلومني بدون رحمة ، تقول : 
  • - انظر إلى حمود .. يدرس ويصرف على نفسه وعلى أهله ، إنّه رجل .. أنت يافرحتي
  • عليك لحظة تريني صورتك منشورة في الجريدة ، وكأن الشعر سيمنع عنّا الجوع ؟!))
  •        سار بمفرده ، واجهات المحلات تتحدى
  • فقره ، وتفقأ عينيه ببريقها الأخاذ ، ومرّ بالقرب من مطعم .. شاهد الفروج المشوي يتلوّى فوق النار ، فرددّ :
  • - (( أنا لا أطمع بتناول الفروج ، " صندوشة "
  • فلافل تكفيني .. اللعنة عليّ يوم أغضبت " حمود " ، لقد أخطأت يوم شبهته بالجرادة ،
  • كان أكثر ذكاء منّي . ولكن كيف لي أن أكون
  • شاعراً ، ومهرّب دخان في آن واحد ؟!.. كان
  • يجب أن أرفض عرضه المغري .. فأنا لا أقدر
  • أن أكتب قصيدة ، إن لم أكن راضياً عن نفسي . )) .
  •        شعر بشيء يشبه الغصّة في أعماقه تقهقه وتسأل :
  • - وهل أنت راض عن نفسك الآن أيها الشاعر المبجّل ؟! .
  • - ليتني أعرف عنوان " حمود " ، سأبحث عنه لا شك . أمّا الآن عليّ أن أذهب إلى المدينة الجامعية ، سأطلب " انتصار " وأصارحها بحقيقة وضعي .. إنّ أحشائي تتقطع .. تتمزقُ .. تتعاركُ .. تقرقرُ .. تعوي..
  • تنهشني .)) .
  •        وتوقف ، تحيّر .. وتساءل :
  • - (( هل أعاود الكَرّةَ من جديد ؟.. وأذهب إلى " انتصار " التي أحبّها أستجديها بذلٍ وانكسار ؟!.. وهل ستتكرر نفسُ المسألة .)).
  •        توجّه إلى " المنشيّة " ، انتظر طويلاً ،
  • وهو يرتعش من شدّة البرد والجوع على السواء .. بعد زمن جاء باص المدينة الجامعيّة ، اكتظّ بالركاب ، ولأنّه لا يملك تذكرة في هذه المرّة ، حدث أن توقف الباص ، وصعد إليه المفتشون ، أخذوا يطلبون التذاكر من الركاب ، حاول أن يختفي ، أن يتملّص ، أن تنشق الأرض وتبتلعه ، أن يقذف بنفسه من النافذة المكسورة ، فلم يفلح . ها هو المفتّشُ ببذتهِ
  • الزّرقاء يقف أمامه ويطالبه بالتذكرة ..وحتّى
  • ينقذ نفسهُ من هذه الورطة السّخيفة ، بادر
  • على الفور وناول المفتش هويته الشّخصية ،
  • ليقوم بحجزها ريثما يذهب إلى الصندوق ويسددّ الغرامة . 
  •      ودمدم في سرّه : 
  • - (( أنا لا أصدّقُ الذي يحصل معي ، هل هذا
  • اليومُ يومُ النّحس ؟؟!!.)) .
  •        لم يجد " انتصار " في غرفتها ، أخبرته إحدى زميلاتها في الوحدة الرابعة ، أنّها خرجت منذ ساعتين ، ولا تدري إلى أين ؟.
  •        تسمّر في مكانه ، واقفاً ينتظر مجيء صديقته " انتصار " ، مضت أكثر من نصف
  • ساعة ، فأدرك أنّها لن تأتي .. فجرّ قدميه
  • المنهكتين وابتعد .
  •        رفع رأسه المبلل بكامل صلعته ، نحو شرفات الوحدة الرابعة ، فتلاقت عيناه الغائرتان بالفتاةالتي أبلغته بخروج " انتصار" ، تقف مع ثلاث فتيات في الطابق
  • الثالث يتغامزن ويضحكن بشدّة .
  •      فانتفض قلبه كسمكة قذفها الصياد فوق 
  • الرّمل ، وغصّت حَنجرتهُ بألمه فأراد أن يبصق ، وإذ به يجهش في بكاء مرّ .
  •        عاد أدراجه من المدينة الجامعية ، سيراً
  • على الأقدام المنهكة والمتورمة ، والدنيا مظلمة في عينيه الزائغتين ، من شدّة الجوع
  • - (( الموت أهون من أن أصبح سخرية ، كان
  • يجب أن أسافر ، اللعنة على الجامعة ، كنت
  • أطمح بالشهرة والمجد ، وها أنا تحوّلت إلى سخرية .. بنبغي لي أن أجد " حمود" سأعمل
  • معه ، صدق " حمود " في قوله :
  • - معك قرش تساوي قرش . )) .
  •        ولأنه لا خيار له إلاّ بالبحث عن صديق يطعمه وينقذه من جوع هذا اليوم ، قرر أن يعود إلى منزل صديقه " بشير " الذي ذهب إليه صباح هذا اليوم ..فما أدراه .. لعلّ " بشيراً " كان بالفعل غير موجود في البيت ،
  • أو ربما كان نائماً فلم يشأ أن يستيقظ باكراً.
  • على أي حال " بشير " أفضل من جميع أصدقائه .
  •        استطاع أن يلتقي " ببشير " ، وما إن استقبله حتى ضحك ، وقال :
  • - أنا آسف لأني لم استقبلك صباحاً .. كنت نائماً حقاً . 
  •       ابتسم بينما كان الأمل ينبعث من أعماقه
  • في حصوله على الطعام :
  • - كنت واثقاً أنّك موجود في البيت .
  •        دخل إلى غرفة الاستقبال الفخمة ، وإذ به يصطدم بعدّة أشخاص موجودين . فرمى
  • السّلام وجلس شاعراً بالحنق من حظه السيء . قال " بشير " :
  • - أعرّفك على شركائي في التجارة .
  • - ابتسم مندهشاً :
  • - هل أنت تعمل إلى جانب دراستك يابشير؟.
  • قهقه " بشير " وأجاب :
  • - بالطبع .. أتريدني أن أكون مدرساً في المستقبل ؟!.
  • اتّسعت دهشته .. وسأل :
  • - إذاً لماذا تتابع دراستك ؟!.
  • - حتّى أرضي غرور بابا وماما ،هم متمسكون
  • بالشكليات ، الشهادة الجامعية ضرورية في تقاليد عائلتنا .
  •        واستطاع " عبد الله " أن يرسم على شفتيه ، ابتسامة المجاملة في حين كان يسأل :
  • - وبماذا تتاجر " يابشير " ، شغلني معك إن كنت أنفع .
  •        وانفجر " بشير " بضحكة مجلجلة ، صارخاً في هياج :
  • - أنت لا تنفع ياصديقي في شيء ، سوى في
  • الشعر ، لأنّك رومانسي .
  •       احتج " عبد الله " وأراد أن يقنع صديقه
  • بأنه ليس رومانسياً ويصلح للعمل :
  • - قل لي بماذا تتاجر ، لأبرهن لك أنّي إنسان عملي . 
  •       احمر وجه " بشير " وقطّب وجهه وأشار
  • بيده إلى الرجل البدين ، الجالس قرب التلفزيون الملون :
  • - اسأل " أبا درغام " عن نوع تجارتنا .
  •        فما كان من " أبي درغام " إلاّ أن ابتسم،
  • وتكلم بصوته المتهدّج :
  • - نحن يأستاذ نتاجر بشراء البطاقات التموينية .. فما رأيك ؟ .
  •        انصعق " عبد الله " وأراد أن يتكلم ، لكنّ صوت " بشير " أوقفه :
  • - مارأيك ياصديقي ؟ .. أنا مستعد أن أدفع لك خمسمئة ليرة ، على كلّ بطاقةٍ تشتريها لي .
  • وسأل " عبد الله " في حيرة :
  • - وكم تدفع ثمن بطاقة الشّخص الواحد ؟.
  • - بألفين وخمسمئة ليرة ، باستثناء ما ستتقاضاه أنت .
  • وجم " عبد الله " برهة ، ثمّ رددّ :
  • - هذا حرام .. أنا بالفعل لا أصلح لمثل هذا العمل .
  • وضجّ المجلس  بالضحك ، في حين كان " بشير " يرددّ :
  • - ألم أقل لك ، أنت لا تصلح إلاّ لكتابة الشعر.
  •        قدّم " بشير " لضيوفه الشّاي ثمّ القهوة،
  • وسكائر أجنبية فاخرة ، و " عبد الله " في حالة يرثى لها .. وكلّما همّ بالانصراف راودته
  • فكرة أن ينصرف شركاء صديقه قبله ، وبالتالي سيطلب الطعام من " بشير " حتى وإن تقاعس عن إحضاره .
  •       من خلال الجلسة علم أن شركاء " بشير"
  • كانوا مدعويين على تناول الغداء ، ولقد تناولوا غداءهم قبل مجيئه بلحظات، وعرف
  • أيضاً أن "بشير " قدّم لضيوفه( لحم بعجين)
  • فقال حتى يحرّض " بشيراً  " على إحضار بعض الأقراص له :
  • - والله ياأخي ( اللحم بعجين ) لذيذ ، أنا أفضله عن سائر المأكولات .
  •        فابتسم الجميع دون أن يحرّك " بشير " ساكناً .
  •        وبعد فترة شعر بالدوار .. وبالغثيان ..
  • وبلعابٍ شديدٍ ، يملأ فمه ، وازداد شحوب وجهه ، أخذ جسده النحيل برتجف .. وانتبه
  • الحضور إلى حالته، فأسرع" بشير " لإحضار 
  • كأسِ الماءِ لهُ، وسألهُ شريكُ " بشير " الضخم
  • الجثة :
  • - لعلّكَ جائع ؟!.
  •        أراد أن يغتنم الفرصة الذّهبية ، ويرغم 
  • " بشيراً " على إحضار الطعام :
  • - والله أنا لم أفطر .. ولم أتناول الغداء .
  •        وأخذ الجميع يلومونه .. حتّى " بشير "
  • دون أن يتحرّك :
  • - هذا لا يجوز .. الجوع كافر .. عليك أن تعتني بصحّتك .
  •       ولم يبادر " بشير " لتقديم لقمة لصديقه.
  • حان وقت الغروب ، وأخذ القوم يتململون ،
  • وينظرون في ساعاتهم . قال شريك بشير:
  • - متى وعدتَ الجماعة بحضورنا إليهم ؟ .
  • رد " بشير " :
  • - في تمام السّادسة .
  •        أدرك " عبد الله " أنّ القوم ، ينبهونه إلى
  • ضرورة الانصراف .. نهض مستأذناً .. وماإن
  • خرج حتّى صفعته الأمطار الهاطلة بغزارة لا
  • مثيل لها .. حاول أن يحمي صلعته بيديه ،
  • وانحنى راكضاً ومحتمياً بالشرفات .. وحين
  • دوى الرّعد بقوة هزّت الأرض ، كان على " عبد الله " أن يقرفص فوق الرصيف ليتقيأ
  • فوق جداول الماء المتدفقة .
  •      الشوارع خالية ، مرعبة ، وعليه أن يجتاز
  • طريقه من " الجميلية " إلى" حيّ الأعظمية"
  • وهذه المسافة ستستغرق نصف ساعة معه
  • بالتأكيد .
  • - (( سأترك الجامعة ..وأرجع إلى أهلي .. أعمل في أرضنا .. إن فشلتُ في تحقيق حلمي ، فهذا لا يعني أن أشارك " حموداً " أو
  • " بشيراً " .. سأبقى إنساناً نظيفاً . )) .
  •        وفور أن دخل بيته ، وجفّف نفسه بعض
  • الشيء .. هرع إلى المطبخ ليلتهم حبّات الزيتون . وبدرت في ذهنه فكرة .. جعلت الأمل يستيقظ في أعماقه الجائعة :
  • - (( نعم .. سأنزل وأبيع للسمّان كتبي الجامعية .. بالكيلو .)).
  •      أحضر حقيبة جلديّة يستعملها عند سفره
  • لأهله ، ملأها بالكتب بسرعة جنونية .. لم يعد قادراً على الاحتمال، إنّه مهدّد بالسقوط.
  •        وبينما كان يهبطُ الدرجَ المعتمَ ، فجأةً
  • توقفَ عن النّزول ، والدّهشةُ تقفزُ من عينيهِ
  • الغائرتينِ ، هذا غيرُ معقولٍ .. إنّه لا يصدّقُ
  • مايراه ، إنّه العجوزُ والده !!! .. يتوكّأُ على عكّازِهِ ، بينما يحملُ في يدِهِ الأخرى سلّةَ قَشٍ مليئةً لا شكّ بالأطعمة .
  •        لا .. لا يقدر أن يصدّقَ أنّ هذا المقوسَ
  • الظهّرِ أبوه .. فوالدهُ مريضٌ لا يقدرُ على النّزولِ إلى المدينة .. تأمّلَهُ جيداً .. اقتربَ
  • منّهُ أكثرَ ، والدّمعُ ينفرُ من عينيهِ .. وانبعثَ
  • صوتُهُ المخنوقُ من أعماقِهِ :
  • - أبي ؟؟؟!!!.
  •      كان الكهلُ رافعاً رأسَهُ الملفّعَ "بالجمدانة"
  • السّوداءِ ، نحو " عبد الله " وفوقَ وجهِهِ المكسوّ بالتّجاعيدِ ترتسمُ على فمهِ الذي خلا
  • من الأسنان منذ أمدٍ بعيدٍ ، ابتسامةً عذبةً ،
  • دافئة . في حين كان يَلهثُ بعنفٍ وصعوبة :
  • - منذ الصباح وأنا أبحث عنكَ ياولدي .
  •        اندفَعَ نحوَ والدِهِ .. احتضنهُ بشدّةٍ ..
  • بعنفٍ .. بقوّةٍ .. بشوقٍ .. بحنانٍ .. برقّةٍ ..
  • بحُرقةٍ .. انحنى على يدِهِ التي تتمسّكُ بعكّازِها ، قبّلَها بحرارةٍ بالغةٍ ، أحسّ بدفئها،
  • بنبضها ، بخلجاتِها ، بحنانِها ، فلم يكن يدرُكُ
  • مدى حبّهِ وتعلقِهِ بأبيه ، قبل هذهِ اللحظة .
  •        وفجأةً .. تحوّلت يدُ والدِهِ المعروقةُ ،
  • والراعشةُ ، والمتشققةُ ، أمام عينيهِ الدّامعتين إلى واحةٍ خضراءَ ، تشبه الرّيف
  • بخيراتِهِ وعطاءاتِهِ ، وعاداتِهِ . 
  •      في حين كان " عبد الله " يصرخ ، بصوت
  • شبيه بالنباح :
  • - آهٍ يا أبي .. لو تدري كم المدينة ابنة كلب ؟!.

  •                    مصطفى الحاج حسين .
  •                                حلب

هناك تعليق واحد: