- اللصقة ...
- قصة : صطفى الحاج حسين .
- كان زملاؤه في الجامعة ، يسمونه " اللصقة "
- فما من مرّة رأوه مقبلاً نحوهم ، إلاّ وسارع أحدهم لتنبيههم ، قائلاً في حذر :
- - جاء اللصقة .! .
- فينسحب بعضهم قبل وصولهِ ، بطريقة ذكيّة قائلين :
- - لنهرب .. قبل أن يحلّ بلاؤهُ علينا .
- وسبب هذا يعود إلى ظروف " عبد الله " القادم من الريف ، ليتابع دراسته في كليّةِ الآداب.
- جاء إلى حلب من قرية " عامودا " الواقعة على الحدود الشرقية ، محمّلاً بآمال عظيمة وطموحات عالية ، وأحلام غزيرة ، وموهبة متقدةٍ ، مخلّفاً وراءه أباً طاعناً في الشيخوخة ، لا يقدر على فعل شيء، سوى تحدّي " عزرائيل " ، فكثيراً ما شاهد والده ، يعارك ملك الموت ويرغمه على التقهقر ، في حين يبقى العجوز متمسكاً بروحه المهترئة .. ولولا عمل أمّه وشقيقاته في حقول الآخرين ، لما تمكنت العائلة من العيش .
- كان " عبد الله " في كثير من الأحيان ، يندم
- لأنّه لم يسمع كلام والدته ويترك الدّراسة ، فهو
- بشكل دائم في حاجة وعوز ، ولو لم يكن ينزل إلى " باب أنطاكيا " حيث معرض العمال ، للبحث عن رزقه ، لما تمكن من اجتياز السّنوات الثلاثة الماضية بسلام .. وخاصة بعد أن حرم من القرض الجامعي ، بسبب رسوبه في السنة الماضية . في
- كلّ عام وخلال فصل الشتاء ، كان يمرّ بمثل هذه الضائقة ، فالعمال المختصون لا يجدون عملاً في
- هذه الأيام الباردة والماطرة ، لولا طموحاته وأحلامه القوية ، لترك الجامعة منذ أمدٍ بعيد . ومن حُسنِ حظّهِ أنّه يقيم في بيت زوج شقيقته
- الذي يعملُ في الخليج ، كان يضطر إلى الاستدانة من أصدقائه ، ريثما يجد عملاً فيردّ إليهم دينهُم ،
- وكانت ظروفه السيئة ترغمه على فرضِ نفسه ضيفاً مكسور الخاطر ليتناول الطعام في منازل أصدقائه ، جاهلاً أن أصدقاءه يطلقون عليه لقب
- " اللصقة " ، ولكنّهم رغم كلّ سخرياتهم التي يطلقونها وراءه ، يعاملونه باحترام وودّ ، وذلك بسبب شاعريّتِهِ الكبيرة .. " فعبد الله " شاعر موهوب ، له حضوره في الملتقيات الأدبية التي
- ترعاها الجامعة ، وكان معظم زملائه يشاركونه ذات الميول، لذلك هم يحسدونه لتفوقه عليهم في
- الشّهرة ، وامتداح النقاد والتفاف المعجبات حوله..
- ولمّا كانوا عاجزين عن النيل من شاعريته .. أخذوا
- يسخرون من نقطة ضعفه الوحيدة ، ألا وهي سوء
- حالته المالية ، وعوزه الدائم إليهم ، لذلك وصفوه
- بال " لصقة " .
- وفي هذا الصباح الممطر ، استيقظ " عبد الله" مهموماً مكروباً ...فهو في حالة إفلاسٍ لا مثيل لها،
- مضى عليه أكثر من عشرين يوماً دون أن يتمكّن من العمل.. فالأمطار لا تنقطع ، والعمل في ورشات البناء معدوم ..و " عبد الله " يقتصد .. في كلّ شيء يقتصد ...في عدد وجباته القميئة ، في نوعية وكمية سكائره .. في حلاقة ذقنه .. وشرائه
- لتذاكر باصات النقل الداخلي .. في الصحف والمجلات .. وتردده إلى المقصف المركزيّ ..
- ومرافقة صديقاته اللواتي اضطر أخيراً أن يستدين منهنّ رغم شعوره بالخجل . وعاد أيضاً لبيع الكتب التي تمكن من جمعها خلال الصيف ..
- فهو في كلّ شتاء ، يضطّر لبيعها من جديد ، حتّى
- أنّه في الأونة الأخيرة ، اضطّر إلى بيع ساعة يده
- التي هو بأمسّ الحاجة إليها . ومع هذا فقد وقع
- يوم أمس بين فكّي الإفلاس ، ونام ليلته وأمعاؤه
- نتضوّر من الجوع .
- نهض من سريره المنحني والمزعج في صريره
- ، واتّجه نحو المطبخ النتن الرائحة، وراح يبحث عن لقمة يسدّ بها رمقه ، رغم علمه بأنّه يبحث عن
- لا شيء .. عنده زيتوناً ولا يوجد خبز ، ولديه سكّر
- ولا وجود للشاي .. ويملك قليلاً من البرغل في حين أن السّمن والزيت غير متوفرين ، فكيف له أن يتدبّر أمره ؟! .. فكرة أن يستدين من الجيران خبزاً ليست واردة ، لأنّه استدان منهم في مرات
- سابقة وكثيرة وعجز عن ردّ ما استدان لدرجة أن
- رفض جميع جواره أن يعطوه رغيفاً واحداً يوم أمس .وتساءل :
- - (( ماذا أفعل ؟.. أمعائي تزقزق طوال الليل ، صرت أخجل من طلب الاستدانة ، أنا مدان للجميع ، مامن شخص أعرفه إلاّ واستدنت منه ، ديوني لسبعة وثلاثين شخصاً ، بمبلغ / 4645/ ليرة سورية .. فإلى متى سأظلّ معتمداً على الدين
- ؟!.. أخذ أصدقائي يتهربون منّي ، " يطنشون " إذا
- ما شكوت لهم سوء حالتي المادية ، حتّى أنّ صديقاتي اللواتي كنتُ أخجل أن أظهر فقري أمامهنّ ، أصبحت مداناً لتسعٍ منهنّ ، بما فيهنّ " انتصار " التي تحوّل حبّها لي إلى دروسٍ في الاقتصاد ، والاعتماد على الذات .)) .
- ولأنّ " عبد الله " جائع ولا يملك حلّاً لمشكلته
- سوى اللجوء إلى أصدقائه ، فقد قرر أن يذهب إلى صديقه " بشير " ، الأكثر رفاهيةً من الجميع ،
- سيداهمه في بيته قبل أن يغادره ، ويتناول معه
- فطوره ، ويطلب منه بضع ليرات .
- أسرع بارتداء بذّته الجامعية العتيقة ، وخرج
- مسرعاً ، فكان المطر بانتظاره ، ولأنّه لا يملك نقوداً
- ولأنّ باصات النقل الدّاخلي تتأخر في المجيء ، قرر أن يذهب سيراً على قدميه ، من منطقة " الأعظمية " إلى حيّ " الجميلية"
- غير عابئ بسقوط المطر فوق رأسه الأصلع
- بعض الشيء .
- في تمام السابعة والنصف ضغط على زر
- الجرس ، وهو يأمل ألاً يكون " بشير " قد تناول فطوره ، وانتظر برهة والحياء يلسعه ،
- كم مرّةً يفرض نفسه .
- مامن أسبوع إلاّ ويحلّ عليه ضيفاً ثقيلاً ، اللعنة على الجوع ، لو لم يكن " بشير " أفضل أصدقائه لما زاره هكذا .. عاود الرّنين
- مرّةً ومرّتين ، وقلبه ينبض من شدّة توتره وخجله ، وسمع وقع أقدام تقف خلف الباب،
- واختفى بصيص الضوء المنبعث من العين
- السحرية ، فغضّ بصره حتى لا تلتقي عينيه
- بعين الناظر ، وفجأة سمع صوتاً أنثوياً يسأل:
- - مَن ؟؟ .
- تنحنح " عبد الله " .. وقال :
- - أنا صديق بشير ، هل هو موجود؟.
- لم بأته الجواب .. بل أبصر الضوء ينبعث
- من حدقة العين السّحرية ، فأدرك أنّها دخلت
- لتنادي أخاها " بشير " .. مضت لحظات اعتقد أنها توقظه ، ولهذا عذرهم عن التأخر،
- سمع وقع الخطا من جديد ، أبصر العين السّحرية تظلم ، وعاد صوت الأنثى يخاطبه:
- - مَن حضرتُكَ ؟.
- بادر يُجيبها على الفور ، والحرج بادٍ في نبرات صوته :
- - أنا صديقه .. عبد الله الحجي .
- وابتعدت عن الباب مرّة أخرى ، وانبعث
- الشّعاع من العين السّحرية .. غابت في هذه المرّة مايزيد عن الدقائق الثلاث ، لدرجة أنّه
- شعر بالضجر والندم على مجيئه في هذا الوقت المبكر ، فكّر أن ينسحب ولكن فات الأوان ، فها هو يسمع وقع الخطى ، ولابدّ أنّ
- " بشيراً " استيقظ ، وتفاجأ من زيارته غير
- المتوقعة .
- لكنّ الباب لم يفتح ، كلّ ماحدث أنّه سمع ذات الصوت الأنثوي :
- - بشير غير موجود ، لقد خرج في السّادسة
- والنصف .
- لعن نفسه لأنّه فكّر في هذه الزيارة ، وتيقّن أنّ صديقه موجود في الداخل ، أحسّ أنّه أهان كرامته ، ليس من المعقول أن
- يبقى متطفلاً على أصدقائه ، لدرجة أنّهم باتوا يسدّون أبوابهم في وجههه ، داهمته موجة من الانفعال ، فامتزجت دمعته التي طفرت من عينيه بحبّات المطر ، المنسابة على وجهه الشّاحب .
- سار في الطرقات حاملاً خيبته في صدره
- ، ومعدته تتقطّعُ من شدّة الجوع ، ولمّا كان
- لا يملك سوى سيكارتين ، قرر أن يدخّن واحدة منهما .. وتساءل :
- - (( أين أذهب ؟ .. هل أتوجّهُ إلى عبد الناصر ، الذي استدنت منه خمسين ليرة منذ
- أكثر من شهرين ، ولم أردٌها إليه حتّى الآن .؟ )) .
- ولأنّه لا يملك إلاّ هذا السبيل ، فقد عزم
- على زيارته ، فمنزله قريب بعض الشيء ، يقع في " الحميديّة " .
- لحسن حظّه لم يعتذر سكان البيت عن
- عدم وجود صديقه ، فها هو " عبد الناصر"
- أمامه بشحمه ولحمه يفتح الباب ، بينما يمضغ شيئاً ما .
- استقبله " عبد الناصر " وأدخله غرفته الخاصّة ، وقبل أن يتّخذ مكانه على الأريكة،
- بادره " عبد الناصر " قائلاً :
- - أشعل مدفأة الكهرباء وتدفأ ، ريثما أكمل فطوري مع أهلي .
- كم ودّ أن يسأله صديقه ، إن كان قد تناول
- فطوره . وأخذ يقارن بين عادات المدينة والريف ، هناك ما إن يحلّ الضيف ، حتّى يهرع أصحاب البيت لإحضار الطعام .
- وبعد أن أشعل المدفأة وأخذ يدفء جسده الهزيل ، تناهى إلى سمعه ، صوت " عبد الناصر " من الداخل .. قائلاً :
- - أرجوك ياأمي دعيني أقدم له الفطور .
- وجاءه صوت امرأة منفعلة تزعق :
- - والله أنا ماعندي مطعم لك ولأصدقائك ، قلت لك افطر معنا ، وإلاّ ستبقى جائعاً .
- انصعق " عبد الله " ، دارت به الغرفة ،
- وكأنّ صفعة قوية باغتته فجأة على رقبته،
- هل بلغ الأمر إلى هذه الدرجة ؟؟!!.. هل أصبح مزعجاً لأسر أصدقائه دون أن يدري
- ؟؟!!.. ينبغي عليه أن يخرج من هذا المنزل،
- وبأقصى سرعة ، لقد بات يقرف من نفسه ،
- كان يجب أن يسافر إلى أهله ، قبل أن ينفق
- أجرة المواصلات ، فالامتحان لا يهم ، فليرسب هذه السّنة كما رسب في السّنة السّابقة ، كرامته أهمّ من دراسته .. اللعنة عليه يوم فكّر أن يتحدّى ظروفه ، ويتابع إقامته في حلب ، حتّى يتقدّم لامتحان الفصل الأول .. إنّه غبي عديم الإحساس ، كان على والده أن يوافق على بيع قطعة الأرض البور التي يملكها ، فهو رجل عجوز
- لا يقدر على العمل بها ، و " عبد الله " يطمح
- أن يكون أستاذاً كبيراً ، فمن سيعمل في الأرض ؟ وتمنّى أن يقصف الله عمر والده ، الذي طالت حياته أكثر ممّا ينبغي .وحيداً كان في الغرفة مع أفكاره ، في حين كانت
- أمعاؤه تنهشه بعنف وجنون ، وشعر بالدوّار،
- وأحسّ أنّه يوشك على التقيّئ .
- وفتح عليه " عبد الناصر " حاملاً صينية
- عليها كأسان من الشّاي السّاخن ..في حين
- كان يبتسم ويردد :
- - أهلاً وسهلاً .
- وضغط على نفسه ، أجبر ذاته على الجلوس
- ، وتظاهر بعدم سماعه بما دار من حوار ، فهو
- على كلّ حال ممتن من " عبد الناصر " .
- ودّع صديقه فور انتهائه من احتساء الشاي ، كان عليه أن يمشي تحت وابل المطر الذي تضاعف انهماره .. بينما كانت النار في أعماقه تغلي من مرارة القهر والشعور بالذلّ والإهانة ، راح يحدّث نفسه:
- - (( هل كان عليّ أن أشارك " حمود " في بيع
- الدخان المهرّب ؟! .. حتّى أتمكّن من العيش
- دون أن أحتاج الآخرين .)) .
- سيتخذ قراره بعد أن يسدّ رمقه ، آلام الجوع تمنع عنه القدرة على التفكير ، سيذهب إلى " عماد " يطلب منه عدّة ليرات تكفيه للسفر إلى أهله ، لا حلّ أمامه إلاّ هذه الطريقة .. أصدقاؤه منقطعون عن الدّوام ، بسبب اقتراب موعد الامتحانات .
- قبل أن يدخل باب العمارة ، برز " عماد"
- أمامه حاملاً مظلّة سوداء .فرحّب به ودعاه أن يصل معه إلى الفرن ليشتريا خبزاً ويعودا
- إلى البيت .
- ساعة ونصف و " عبد الله وعماد " يقفان
- تحت المطر وسط هذا الازدحام ، حتّى تمكّنا
- أخيراً من الحصول على أربعة كيلو من الخبز
- من شدّة تلهفه على قطعة من الخبز السّاخن ، أسرع ليتناول الخبز عن " عماد " ،
- وقبل أن يصله ليلتقط قطعة ويلتهمها، وقف
- أمامهم والد " عماد " وبعد السلام .. قال الأب :
- - هات الخبز ، واذهب لتسديد فاتورة الكهرباء ، ثمّ عودا إلى البيت .
- أحسّ بخيبة كبيرة ، فأخذ يردد في طيات نفسه الجائعة :
- - (( كم كان حظي سيئاً ، لماذا لم يتأخر والد
- " عماد " دقيقة عن الوصول إلينا ؟! .)) .
- لقد خطر له أن يتناول رغيفاً ، لكنه في
- النهاية خجل ، لو كان " عماد " بمفرده لكان
- الأمر أسهل .
- في الطريق راودته فكرة أن يستدين من " عماد " مبلغاً بسيطاً يكفيه لشراء " صندويشة " ، وتذكّر أنه مدان " لعماد " بأكثر
- من ثلاثمئة ليرة ، فأحجم عن الكلام ، لأنّه خجول .
- تابع طريقه مع " عماد " آملاً أن يتناول عنده وجبة الغداء، بعد أن يسددا فاتورة الكهرباء ، لم يكن يتصوّر أنّ تسديد الفاتورة،
- سيحتاج لكلّ هذا الوقت .. الازدحام كان هائلاً .. ومن جديد كان عليهما أن ينتظرا الدّور ، ولم ينتهيا من أداء المهمة حتّى انتصف النّهار .
- أخيراً سيعود مع " عماد " إلى بيته ليتناولا الغداء .. كان يمشي ولسان حاله يقول :
- - (( ياالله .. متى سنصل ؟ .. ريقي فرط ، أمعائي تتمزّق ، أمّا أقدامي فلم تعد قادرة
- على حملي .)) .
- انتبه " عماد " إلى حالة صديقه ، تفحّص
- وجهه ، ثمّ سأله :
- - مابك يا " عبد الله " .. ولم وجهك مصفر؟!.
- وكاد أن يصارحه بحقيقة جوعه ، فهو
- يتوقّع أن يغمى عليه .. لكنّه فضّل الصمت:
- -(( لماذا أفضح نفسي ، طالما أنا ذاهب معه ،
- لأتناول الغداء .. هل من الضروري أن أطلعه
- على حقيقة وضعي التعس ، لا لن أتكلم.)).
- وعند المنعطف .. أي بالتحديد، عند تقاطع الطرق الأربعة الرئيسية ، أذهله " عماد " عندما مدّ له يده مودعاً ، وابتسامة
- الحرج على شفتيه :
- - أنا آسف يا " عبد الله " ، عندي موعد هام وضروري مع خطيبتي ، لن أستطيع أن أدعوك إلى زيارتي الآن .
- امتقع لون وجهه أكثر ، واضطربت شفتاه
- حينما رددّ :
- - بسيطة .. أزورك في وقت آخر .
- وبعد أن تصافحا ومضى كلّ في سبيله.
- خطر له أن يتشجّع فينادي " عماداً " ليستدين منه بعض الليرات ، أسرع خلفه مهرولاً غير عابئ بأنظار المارة :
- - عماد .. يا عماد .
- استدار " عماد " ، توقف حينما شاهد
- " عبد الله " يتبعه ، ويناديه .. واقترب " عبد
- الله " والاضطراب والخجل يسيطران عليه:
- - عماد .. أريد منك أن تقرضني بعض النقود.
- ابتسم " عماد " ، أطلق زفرة قويّة خرجت
- من أعماقه ، راح يتأمل أنامله في حيرة .. ثمّ قال :
- - والله يا " عبد الله " لا أعرف ماذا أقول لك،
- أنا جد آسف، وأقسم لك أنّي لا أحمل معي سوى بضعة ليرات ، لن تكفيني لو دعوت خطيبتي إلى فنجان قهوة .
- أحسّ بندم شديد ، وبانفعال مرير ، وأخذ
- يلوم نفسه لأنّه عرّض حاله لمثل هذا الموقف المهين ..
- - (( غبيّ أنا ، كان عليّ أن أوافق " حموداً " وأشاركه في تهريب الدّخان .. " حمود " أصبح مهرباً كبيراً .. جيوبه امتلأت خلال فترة قصيرة .. أمي تقارن بيني وبينه بشكل
- دائم ، تلومني بدون رحمة ، تقول :
- - انظر إلى حمود .. يدرس ويصرف على نفسه وعلى أهله ، إنّه رجل .. أنت يافرحتي
- عليك لحظة تريني صورتك منشورة في الجريدة ، وكأن الشعر سيمنع عنّا الجوع ؟!))
- سار بمفرده ، واجهات المحلات تتحدى
- فقره ، وتفقأ عينيه ببريقها الأخاذ ، ومرّ بالقرب من مطعم .. شاهد الفروج المشوي يتلوّى فوق النار ، فرددّ :
- - (( أنا لا أطمع بتناول الفروج ، " صندوشة "
- فلافل تكفيني .. اللعنة عليّ يوم أغضبت " حمود " ، لقد أخطأت يوم شبهته بالجرادة ،
- كان أكثر ذكاء منّي . ولكن كيف لي أن أكون
- شاعراً ، ومهرّب دخان في آن واحد ؟!.. كان
- يجب أن أرفض عرضه المغري .. فأنا لا أقدر
- أن أكتب قصيدة ، إن لم أكن راضياً عن نفسي . )) .
- شعر بشيء يشبه الغصّة في أعماقه تقهقه وتسأل :
- - وهل أنت راض عن نفسك الآن أيها الشاعر المبجّل ؟! .
- - ليتني أعرف عنوان " حمود " ، سأبحث عنه لا شك . أمّا الآن عليّ أن أذهب إلى المدينة الجامعية ، سأطلب " انتصار " وأصارحها بحقيقة وضعي .. إنّ أحشائي تتقطع .. تتمزقُ .. تتعاركُ .. تقرقرُ .. تعوي..
- تنهشني .)) .
- وتوقف ، تحيّر .. وتساءل :
- - (( هل أعاود الكَرّةَ من جديد ؟.. وأذهب إلى " انتصار " التي أحبّها أستجديها بذلٍ وانكسار ؟!.. وهل ستتكرر نفسُ المسألة .)).
- توجّه إلى " المنشيّة " ، انتظر طويلاً ،
- وهو يرتعش من شدّة البرد والجوع على السواء .. بعد زمن جاء باص المدينة الجامعيّة ، اكتظّ بالركاب ، ولأنّه لا يملك تذكرة في هذه المرّة ، حدث أن توقف الباص ، وصعد إليه المفتشون ، أخذوا يطلبون التذاكر من الركاب ، حاول أن يختفي ، أن يتملّص ، أن تنشق الأرض وتبتلعه ، أن يقذف بنفسه من النافذة المكسورة ، فلم يفلح . ها هو المفتّشُ ببذتهِ
- الزّرقاء يقف أمامه ويطالبه بالتذكرة ..وحتّى
- ينقذ نفسهُ من هذه الورطة السّخيفة ، بادر
- على الفور وناول المفتش هويته الشّخصية ،
- ليقوم بحجزها ريثما يذهب إلى الصندوق ويسددّ الغرامة .
- ودمدم في سرّه :
- - (( أنا لا أصدّقُ الذي يحصل معي ، هل هذا
- اليومُ يومُ النّحس ؟؟!!.)) .
- لم يجد " انتصار " في غرفتها ، أخبرته إحدى زميلاتها في الوحدة الرابعة ، أنّها خرجت منذ ساعتين ، ولا تدري إلى أين ؟.
- تسمّر في مكانه ، واقفاً ينتظر مجيء صديقته " انتصار " ، مضت أكثر من نصف
- ساعة ، فأدرك أنّها لن تأتي .. فجرّ قدميه
- المنهكتين وابتعد .
- رفع رأسه المبلل بكامل صلعته ، نحو شرفات الوحدة الرابعة ، فتلاقت عيناه الغائرتان بالفتاةالتي أبلغته بخروج " انتصار" ، تقف مع ثلاث فتيات في الطابق
- الثالث يتغامزن ويضحكن بشدّة .
- فانتفض قلبه كسمكة قذفها الصياد فوق
- الرّمل ، وغصّت حَنجرتهُ بألمه فأراد أن يبصق ، وإذ به يجهش في بكاء مرّ .
- عاد أدراجه من المدينة الجامعية ، سيراً
- على الأقدام المنهكة والمتورمة ، والدنيا مظلمة في عينيه الزائغتين ، من شدّة الجوع
- - (( الموت أهون من أن أصبح سخرية ، كان
- يجب أن أسافر ، اللعنة على الجامعة ، كنت
- أطمح بالشهرة والمجد ، وها أنا تحوّلت إلى سخرية .. بنبغي لي أن أجد " حمود" سأعمل
- معه ، صدق " حمود " في قوله :
- - معك قرش تساوي قرش . )) .
- ولأنه لا خيار له إلاّ بالبحث عن صديق يطعمه وينقذه من جوع هذا اليوم ، قرر أن يعود إلى منزل صديقه " بشير " الذي ذهب إليه صباح هذا اليوم ..فما أدراه .. لعلّ " بشيراً " كان بالفعل غير موجود في البيت ،
- أو ربما كان نائماً فلم يشأ أن يستيقظ باكراً.
- على أي حال " بشير " أفضل من جميع أصدقائه .
- استطاع أن يلتقي " ببشير " ، وما إن استقبله حتى ضحك ، وقال :
- - أنا آسف لأني لم استقبلك صباحاً .. كنت نائماً حقاً .
- ابتسم بينما كان الأمل ينبعث من أعماقه
- في حصوله على الطعام :
- - كنت واثقاً أنّك موجود في البيت .
- دخل إلى غرفة الاستقبال الفخمة ، وإذ به يصطدم بعدّة أشخاص موجودين . فرمى
- السّلام وجلس شاعراً بالحنق من حظه السيء . قال " بشير " :
- - أعرّفك على شركائي في التجارة .
- - ابتسم مندهشاً :
- - هل أنت تعمل إلى جانب دراستك يابشير؟.
- قهقه " بشير " وأجاب :
- - بالطبع .. أتريدني أن أكون مدرساً في المستقبل ؟!.
- اتّسعت دهشته .. وسأل :
- - إذاً لماذا تتابع دراستك ؟!.
- - حتّى أرضي غرور بابا وماما ،هم متمسكون
- بالشكليات ، الشهادة الجامعية ضرورية في تقاليد عائلتنا .
- واستطاع " عبد الله " أن يرسم على شفتيه ، ابتسامة المجاملة في حين كان يسأل :
- - وبماذا تتاجر " يابشير " ، شغلني معك إن كنت أنفع .
- وانفجر " بشير " بضحكة مجلجلة ، صارخاً في هياج :
- - أنت لا تنفع ياصديقي في شيء ، سوى في
- الشعر ، لأنّك رومانسي .
- احتج " عبد الله " وأراد أن يقنع صديقه
- بأنه ليس رومانسياً ويصلح للعمل :
- - قل لي بماذا تتاجر ، لأبرهن لك أنّي إنسان عملي .
- احمر وجه " بشير " وقطّب وجهه وأشار
- بيده إلى الرجل البدين ، الجالس قرب التلفزيون الملون :
- - اسأل " أبا درغام " عن نوع تجارتنا .
- فما كان من " أبي درغام " إلاّ أن ابتسم،
- وتكلم بصوته المتهدّج :
- - نحن يأستاذ نتاجر بشراء البطاقات التموينية .. فما رأيك ؟ .
- انصعق " عبد الله " وأراد أن يتكلم ، لكنّ صوت " بشير " أوقفه :
- - مارأيك ياصديقي ؟ .. أنا مستعد أن أدفع لك خمسمئة ليرة ، على كلّ بطاقةٍ تشتريها لي .
- وسأل " عبد الله " في حيرة :
- - وكم تدفع ثمن بطاقة الشّخص الواحد ؟.
- - بألفين وخمسمئة ليرة ، باستثناء ما ستتقاضاه أنت .
- وجم " عبد الله " برهة ، ثمّ رددّ :
- - هذا حرام .. أنا بالفعل لا أصلح لمثل هذا العمل .
- وضجّ المجلس بالضحك ، في حين كان " بشير " يرددّ :
- - ألم أقل لك ، أنت لا تصلح إلاّ لكتابة الشعر.
- قدّم " بشير " لضيوفه الشّاي ثمّ القهوة،
- وسكائر أجنبية فاخرة ، و " عبد الله " في حالة يرثى لها .. وكلّما همّ بالانصراف راودته
- فكرة أن ينصرف شركاء صديقه قبله ، وبالتالي سيطلب الطعام من " بشير " حتى وإن تقاعس عن إحضاره .
- من خلال الجلسة علم أن شركاء " بشير"
- كانوا مدعويين على تناول الغداء ، ولقد تناولوا غداءهم قبل مجيئه بلحظات، وعرف
- أيضاً أن "بشير " قدّم لضيوفه( لحم بعجين)
- فقال حتى يحرّض " بشيراً " على إحضار بعض الأقراص له :
- - والله ياأخي ( اللحم بعجين ) لذيذ ، أنا أفضله عن سائر المأكولات .
- فابتسم الجميع دون أن يحرّك " بشير " ساكناً .
- وبعد فترة شعر بالدوار .. وبالغثيان ..
- وبلعابٍ شديدٍ ، يملأ فمه ، وازداد شحوب وجهه ، أخذ جسده النحيل برتجف .. وانتبه
- الحضور إلى حالته، فأسرع" بشير " لإحضار
- كأسِ الماءِ لهُ، وسألهُ شريكُ " بشير " الضخم
- الجثة :
- - لعلّكَ جائع ؟!.
- أراد أن يغتنم الفرصة الذّهبية ، ويرغم
- " بشيراً " على إحضار الطعام :
- - والله أنا لم أفطر .. ولم أتناول الغداء .
- وأخذ الجميع يلومونه .. حتّى " بشير "
- دون أن يتحرّك :
- - هذا لا يجوز .. الجوع كافر .. عليك أن تعتني بصحّتك .
- ولم يبادر " بشير " لتقديم لقمة لصديقه.
- حان وقت الغروب ، وأخذ القوم يتململون ،
- وينظرون في ساعاتهم . قال شريك بشير:
- - متى وعدتَ الجماعة بحضورنا إليهم ؟ .
- رد " بشير " :
- - في تمام السّادسة .
- أدرك " عبد الله " أنّ القوم ، ينبهونه إلى
- ضرورة الانصراف .. نهض مستأذناً .. وماإن
- خرج حتّى صفعته الأمطار الهاطلة بغزارة لا
- مثيل لها .. حاول أن يحمي صلعته بيديه ،
- وانحنى راكضاً ومحتمياً بالشرفات .. وحين
- دوى الرّعد بقوة هزّت الأرض ، كان على " عبد الله " أن يقرفص فوق الرصيف ليتقيأ
- فوق جداول الماء المتدفقة .
- الشوارع خالية ، مرعبة ، وعليه أن يجتاز
- طريقه من " الجميلية " إلى" حيّ الأعظمية"
- وهذه المسافة ستستغرق نصف ساعة معه
- بالتأكيد .
- - (( سأترك الجامعة ..وأرجع إلى أهلي .. أعمل في أرضنا .. إن فشلتُ في تحقيق حلمي ، فهذا لا يعني أن أشارك " حموداً " أو
- " بشيراً " .. سأبقى إنساناً نظيفاً . )) .
- وفور أن دخل بيته ، وجفّف نفسه بعض
- الشيء .. هرع إلى المطبخ ليلتهم حبّات الزيتون . وبدرت في ذهنه فكرة .. جعلت الأمل يستيقظ في أعماقه الجائعة :
- - (( نعم .. سأنزل وأبيع للسمّان كتبي الجامعية .. بالكيلو .)).
- أحضر حقيبة جلديّة يستعملها عند سفره
- لأهله ، ملأها بالكتب بسرعة جنونية .. لم يعد قادراً على الاحتمال، إنّه مهدّد بالسقوط.
- وبينما كان يهبطُ الدرجَ المعتمَ ، فجأةً
- توقفَ عن النّزول ، والدّهشةُ تقفزُ من عينيهِ
- الغائرتينِ ، هذا غيرُ معقولٍ .. إنّه لا يصدّقُ
- مايراه ، إنّه العجوزُ والده !!! .. يتوكّأُ على عكّازِهِ ، بينما يحملُ في يدِهِ الأخرى سلّةَ قَشٍ مليئةً لا شكّ بالأطعمة .
- لا .. لا يقدر أن يصدّقَ أنّ هذا المقوسَ
- الظهّرِ أبوه .. فوالدهُ مريضٌ لا يقدرُ على النّزولِ إلى المدينة .. تأمّلَهُ جيداً .. اقتربَ
- منّهُ أكثرَ ، والدّمعُ ينفرُ من عينيهِ .. وانبعثَ
- صوتُهُ المخنوقُ من أعماقِهِ :
- - أبي ؟؟؟!!!.
- كان الكهلُ رافعاً رأسَهُ الملفّعَ "بالجمدانة"
- السّوداءِ ، نحو " عبد الله " وفوقَ وجهِهِ المكسوّ بالتّجاعيدِ ترتسمُ على فمهِ الذي خلا
- من الأسنان منذ أمدٍ بعيدٍ ، ابتسامةً عذبةً ،
- دافئة . في حين كان يَلهثُ بعنفٍ وصعوبة :
- - منذ الصباح وأنا أبحث عنكَ ياولدي .
- اندفَعَ نحوَ والدِهِ .. احتضنهُ بشدّةٍ ..
- بعنفٍ .. بقوّةٍ .. بشوقٍ .. بحنانٍ .. برقّةٍ ..
- بحُرقةٍ .. انحنى على يدِهِ التي تتمسّكُ بعكّازِها ، قبّلَها بحرارةٍ بالغةٍ ، أحسّ بدفئها،
- بنبضها ، بخلجاتِها ، بحنانِها ، فلم يكن يدرُكُ
- مدى حبّهِ وتعلقِهِ بأبيه ، قبل هذهِ اللحظة .
- وفجأةً .. تحوّلت يدُ والدِهِ المعروقةُ ،
- والراعشةُ ، والمتشققةُ ، أمام عينيهِ الدّامعتين إلى واحةٍ خضراءَ ، تشبه الرّيف
- بخيراتِهِ وعطاءاتِهِ ، وعاداتِهِ .
- في حين كان " عبد الله " يصرخ ، بصوت
- شبيه بالنباح :
- - آهٍ يا أبي .. لو تدري كم المدينة ابنة كلب ؟!.
- مصطفى الحاج حسين .
- حلب
- حلب
nahralebdaa.blogspot.com/2017/09/blog-post_503.html?m=1
ردحذف